الشيخ محمد القائني

278

المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية)

على حرمتها صدق التحريم عند الضرورة عرفاً ؛ وحديث حلّ المحرّمات بالاضطرار لا قصور فيه عن شمول مثل ذلك ، كشموله لغير الحكّام من موارد الاضطرار . وإن شئت فقل : إنّ الاضطرار عنوان عامّ ، ويكون مصداقه مختلفاً ومتعدّداً بحسب الموارد . فربما تصدق الضرورة لأحد عند شيء بدون أن تصدق لغيره عند ذلك الشيء بعينه . ولا غرابة في ذلك ، فقد يكون الشخص ممّن يعدّ سبّه هتكاً لا يتحمّل بحسب العادة ، فيجوز له ارتكاب كذبة توجب التخلّص من ذلك ؛ لحديث الاضطرار ؛ وربما لا يتأثّر غيره عند التعرّض للسباب بأضعاف ذلك فضلًا عن كونه خارجاً عن تحمّله ، بحيث لا يعدّ إلزامه بالتحمّل أيّ حرج ، فلا يجوز له ارتكاب الكذب ؛ كلّ ذلك لاختلاف شؤون الأشخاص . وربما يكون نوع لباس أو مسكن أو مركب من شأن شخص ، بحيث يكون تركه هتكاً له لا يتحمّله المتعارف ، فيصدق أنّه مضطرّ إلى ذلك ؛ فلو توقّف شراؤه ماء الوضوء أو فعله لبعض الواجبات على بيع شيء من ذلك لم يجب ، لصدق الاضطرار إلى ترك الواجب مع أنّه لا يصدق الاضطرار في حقّ غيره . فإذا كان للحاكم أيضاً شأن خاص بحسب بناء العرف ، بحيث يعدّ التخلّف عن ذلك غير متوقّع منه ، وكان في رعاية بعض المحرّمات تخلّفاً عن ذلك الشأن ، يصدق أنّ الحاكم مضطرّ إلى فعل الحرام فيعمّه حديث الاضطرار . وعلى هذا الأساس يمكن توجيه ولاية الحاكم على هدم المساجد والأوقاف لتوسعة الشوارع والطرقات ممّا فيه صلاح الأمّة وحاجتها ، بحيث تصدق ضرورة المجتمع عرفاً إلى ذلك . فللمجتمع ضرورة كما للفرد ، وهذه الضرورة تختلف باختلاف الأعصار والأزمنة والمواقع من الأمصار والقرى وغيرها ، فحاجة البلاد إلى الشوارع